ابن كثير
220
البداية والنهاية
قرطي ثم انصرفوا . قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه عن جدته أسماء قالت : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه ، احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف درهم - أو ستة آلاف درهم - فانطلق بها معه ، قالت : فدخل علينا جدي أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال : والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ؟ قالت : قلت : كلا يا أبة إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا ، قالت وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها ، ثم وضعت عليها ثوبا ، ثم أخذت بيده فقلت يا أبة ضع يدك على هذا المال . قالت فوضع يده عليه فقال : لا بأس إذ كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا بلاغ لكم ، ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك . وقال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبي الحسن البصري . قال : انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا ، فدخل أبو بكر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية ، بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه . وهذا فيه انقطاع من طرفيه . وقد قال أبو القاسم البغوي حدثنا داود بن عمرو الضبي ، ثنا نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور ، فجعل أبو بكر يكون أمام النبي صلى الله عليه وسلم مرة ، وخلفه مرة . فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك ، وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك . حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر : كما أنت حتى أدخل يدي فأحسه وأقصه فإن كانت فيه دابة أصابتني قبلك . قال نافع : فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شئ يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا مرسل . وقد ذكرنا له شواهد أخر في سيرة الصديق رضي الله عنه . وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق ، أنا موسى بن الحسن ثنا عباد ، ثنا عفان بن مسلم ثنا السري بن يحيى ثنا محمد بن سيرين . قال : ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر . فبلغ ذلك عمر فقال : والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر ، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه ، حتى فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أبا بكر مالك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي ؟ " فقال : يا رسول الله أذكر الطلب ، فأمشي خلفك ، ثم أذكر الرصد ، فأمشي بين يديك . فقال : " يا أبا بكر لو كان شئ لأحببت أن يكون بك دوني ؟ " قال : نعم ، والذي بعثك بالحق [ ما كانت لتكون من ملمة إلا أحببت أن تكون لي دونك ] ( 1 ) . فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر : مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار ،
--> ( 1 ) ما بين معكوفين سقطت من الأصل واستدركت من دلائل البيهقي ج 2 / 477 .